الشيخ الأصفهاني

461

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ق )

من لم يحصل الحكم على مدركه ليس مقلدا مع عدم العمل أو عدم الاخذ للعمل ، فلا تقابل بينهما بتقابل العدم والملكة أو السلب والايجاب . وأما التقابل بينهما بتقابل التضاد نظرا إلى أن الاجتهاد هو اخذ الحكم عن مدركه ، والتقليد أخذ الحكم عن الغير ، لا عن مدركه . ففيه أن الاخذ بمعنى الالتزام والعمل أجنبي عن حقيقة الاجتهاد إذ ليس معنى الاجتهاد التزام المجتهد بالحكم ، ولا عمله به . والأخذ بمعنى التعلم الراجع إلى تحصيل العلم بالحكم وإن كان مشتركا بين المجتهد والمقلد والاخذ عن مدرك وعن الغير متقابلان ، إلا أنه لا دليل على أن الاجتهاد والتقليد متقابلان ، حتى يتعين كون التقليد بمعنى التعلم - تحقيقا للتقابل - بل التقليد في قبال الاجتهاد بمعنى يقابل الاحتياط لهما ، مع أن الاحتياط ليس الا عنوانا للعمل ، فالتقابل حقيقة بين العمل استنادا إلى المدرك أو إلى رأي الغير أو بنحو يوافق الواقع ، هذا كله فيما يقتضيه مفهوم التقليد . واما الثاني وهو ما يقتضيه الأدلة العقلية والنقلية . فنقول : من الأولى : قضية الفطرة ، وسيجئ ( 1 ) إن شاء الله تعالى أن مقتضاها - لو تمت - رفع الجهل بعلم العالم حقيقة ، حيث أنه كمال القوة العاقلة ، لا الالتزام بقول الغير تعبدا ، أو العمل به كذلك ، أو التعلم منه الذي هو أخص من رفع الجهل بعلم العالم ، فان التعلم الذي هو مقدمة للعمل لا يدور مدار حصول العلم بالحكم ، بل إحراز الفتوى ورأي الغير فقط . فالتقليد بالوجه الذي يقتضيه الفطرة ليس بأحد المعاني المبحوث عنها هنا . مع ما سيأتي إن شاء الله تعالى في اقتضاء الفطرة . ومنها : قضية السيرة ، ومن البين أن ما جرت عليه سيرة العقلاء في مقاصدهم حفظا لنظام أمورهم هو العمل بقول العارف بشئ ، لا عقد القلب عليه ، ولا اخذه بوجود الكتبي أو بوجوده العلمي ، وإن كانا من المقدمات أحيانا ، فان كل ذلك

--> ( 1 ) يأتي في ص 462 .